ابن الجوزي

279

صيد الخاطر

عين الفكر في ضوء العبر لعلك تبصر مواقع خطاك ، فان رأيت تثبطا من الباطن فاستغث بعون اللطف ، وتنبه في الاسحار ، لعلك تتلمح مركب الأرياح ، وتعلق على قطار المستغفرين ولو خطوات ، وانزل في رباعة المجتهدين ولو منزلا . 234 - الرد على المتكلمين والمتصوفة نظرت في قول أبي الدرداء رضي اللّه عنه : ما أعرف شيئا مما كنا عليه اليوم إلا القبلة . فقلت : واعجبا كيف لو رآنا اليوم وما علينا من الشريعة الا الرسم ؟ والشريعة هي الطريق . وانما تعرف شريعة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إما بأفعاله أو أقواله . وسبب الانحراف عن طريقه صلّى اللّه عليه وسلم إما الجهل بها فيجري الانسان مع الطبع والعادات ، وربما اتخذ ما يضاد الشريعة طريقا ، وقد كانت الصحابة شاهدته وسمعت منه فقلّ أن ينحرف أحد منهم عن جادته ، إلا أن أبا الدرداء رضي اللّه عنه رأى بعض الانحراف لميل الطباع فضج فإنه قد يعرف الانسان الصواب ، غير أن طبعه يميل عنه ، وما زالت الأحاديث المنقولة عن الرسول صلّى اللّه عليه وسلم وأصحابه رضي اللّه عنهم يقل الاسعاد بها والنظر فيها إلى أن أعرض عنها بالكلية في زماننا هذا وجهلت إلا النادر ، واتخذت طرائق تضاد الشريعة ، وصارت عادات ، وكانت أسهل عند الخلق من اتباع الشريعة . وإذا كان عامة من ينسب إلى العلم قد أعرض عن علوم الشريعة فكيف العوام ؟ ولما أعرض كثير من العلماء عن المنقولات ابتدعوا في الأصول والفروع . فالاصوليون تشاغلوا بالكلام وأخذوه من الفلاسفة وعلماء المنطق . ودخلت أيدي الفروعيين في ذلك فتشاغلوا بالجدل وتركوا الحديث الذي عليه يدور الحكم . ثم رأى القصّاص « 1 » أن النّفاق بالنّفاق ، فأقبل قوم منهم على التلبيس بالزهد ، ومقصودهم الدنيا . ورأى جمهورهم أن القلوب تميل إلى الأغاني ، فأحضروا المطربين من القراء وأنشدوا أشعار الغزل ، وتركوا الاشتغال بالحديث ، ولم يلتفتوا إلى نهي العوام عن الربا والزنا ، وأمرهم بأداء الواجبات ، وصار متكلمهم يقطع المجلس بذكر ليلى والمجنون والطور وموسى وأبي يزيد والحلاج والهذيان الذي لا محصول له ، وانفرد أقوام بالتزهد والانقطاع ، فامتنعوا عن عيادة المرضى ، والمشي بين الناس ، وأظهروا التخاشع ، ووضعوا كتبا للرياضات ، والتقلل من

--> ( 1 ) أي الوعاظ .